الشيخ محمد رشيد رضا

397

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أقول ظاهر الروايات ان النبي ( ص ) مال إلى تصديق المسلمين وإدانة اليهودي لما كان يغلب على المسلمين في ذلك العهد من الصدق والأمانة ، وعلى اليهود من الكذب والخيانة ، ولذلك قال العلماء في القديم والحديث ان أولئك المسلمين ، لم يكونوا الا منافقين ، لان مثل عمل طعمة وتأييد من أيده فيه لا يصدر عمدا إلا من منافق ، وتبع ذلك أنه ( ص ) ودّ لو يكون الفلج بالحق في الخصومة للمسلمين الذين يرجح صدقهم فأراد أن يساعدهم على ذلك ولكنه لم يفعل انتظارا لوحي اللّه تعالى ، فعلمه اللّه تعالى بهذه الآيات وعلمنا أن الاعتقاد الشخصي ، والميل الفطري والديني ، لا ينبغي ان يظهر لهما أثر مّا في مجلس القضاء ، ولا ان يساعد القاضي من يظن أنه هو صاحب الحق ، بل عليه ان يساوي بين الخصمين في كل شيء ، وإذا كان هذا هو الواجب وكان ذلك الميل إلى تأييد من غلب على الظن صدقه يفضي إلى مساعدته في الخصومة فيكون الحاكم خصيما عنه لو فعل ، وإذا كان طلب الانتصار لهم من الخائنين في الواقع ونفس الامر في هذه القضية - فقد وجب الاستغفار من هذا الاجتهاد وحسن الظن - فهذا أحسن ما يوجه به ما ذهب اليه الرازي على تقدير صحة الراوية في سبب نزول الآيات . وما قاله الأستاذ الامام أبلغ في تنزيه النبي ( ص ) مما لا يليق به ، أما العصمة فلا ينقضها شيء مما ورد ولا الامر بالاستغفار ، لان الأنبياء معصومون من الحكم أو العمل بغير ما أوحاه اللّه تعالى إليهم أو ما يرون باجتهادهم انه الصواب ، والنبي ( ص ) لم يحكم في هذه القضية قبل نزول الآيات بشيء ، ولم يعمل بغير ما يعتقد انه تأييد للحق ، ولكنه أحسن الظن في أمر بين له علام الغيوب حقيقة الواقع فيه وما ينبغي له في معاملة ذويه ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * اي كان شأنه ذلك وتقدم شرح مثل هذه الجملة مرارا * * * وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ اي يخونونها بل يتعملون ويتكلفون ما يخالف الفطرة من الخيانة التي تعود على أنفسهم بالضرر . قال الأستاذ الامام ان هؤلاء الخائنين يوجدون في كل زمان ومكان . وهذا النهي لم يكن موجها إلى النبي ( ص ) خاصة ، وإنما هو تشريع وجه إلى المكلفين كافة ،